ابن بسام
329
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
إلى الوهدة التي كنّا في طباقها ، والعقدة [ 1 ] التي حصلنا بين أطباقها ، فلم نشكّ في أننا من أهل القبور ، قد صبّت علينا أرازبّ منكر ونكير ، ولولا أنّ اللّه لقننا الحجة ، وأوضح لنا المحجّة ، وأعاننا على الخصمين ، وعلّمنا التخلّص من النكيرين ، لضغطنا ضغطة [ 2 ] القبر ، ونالتنا معرّة الفقر [ 3 ] ؛ ثم إننا أخذنا في الهرب ، وأخذت السيول والأمطار في الطلب ، فتارة نقع من / الوعر في شرك ، وأخرى نهفو من الوحل [ 4 ] في درك ، حتى وصلنا أوريولة ، ولا نراها من تراكم الظّلم ، واختلاط العشايا بالعتم ، إلى أن ضربت في أسوارها جباهنا ، فامتلأت من غبارها أفواهنا ، والدجى يكفّننا بظلمائه ، والثرى يدفننا في طينه ومائه . وفي فصل [ 5 ] : ومرّت لنا الأيام لا نستطيع براحا ، ولا نلذّ غدوّا ولا رواحا ، فلما انقضت ليال خمس ، التفتتنا الشمس التفات [ 6 ] البكر ، من خلال السّتر ، وصمت الماء من خريره ، والهواء من صريره ، فقلنا : قد يكون الرضى صماتا ، والإذن التفاتا ، وأخذنا في التفويض ، وأسرعنا بالنهوض ، وما زلنا في مسلكنا نموت ونحيا ، ونتقلّب بين الآخرة والأولى ، حتى اصطلينا بنار الحباحب سيف الدولة أبي الفتوح ، فقابل بوجه طلق وخلق سمح ، فلما صرنا في ذراه ، وكنفتنا نعماه ، أنشدنا : فقل للسماء ارعدي وابرقي * فإنّا رجعنا إلى المنزل وفي فصل : ثم لما حان إيابي ، وزمّت ركابي ، إذا بكتاب المعتصم باللّه إلى المظفر يذكر وفاة خاله المنصور بن أبي عامر ، فلزمني الكتاب إليه ، فكتبت ورجلي في غرز الواثب ، وهنا قبل سقط [ 7 ] الراكب ، فإن كانت سقطة في كلامي ، أو عثرة من أقلامي ، فإنما أوجبتها حقحقة السّير ومسابقة السيل [ 8 ] ؛ وكان كتابي : يا مولاي وسيدي المنعم ، ومن لا زالت وجوه الكوارث عنه مصدودة ، وأيدي
--> [ 1 ] ب م : والعوذة . [ 2 ] ب م : لصعقنا صعقة ؛ ط د س : لضغطنا القبر . [ 3 ] ط د س : ونالنا الغفر . [ 4 ] ط د س : الذعر . [ 5 ] المسالك 13 : 67 . [ 6 ] المسالك : التقينا الشمس التقا . [ 7 ] د ط س : وما سقط . [ 8 ] ط د س : الخيل .